رغم القمع الميداني.. قضاء مينيسوتا يخذل الضحايا ويمنح "إدارة الهجرة" صك البقاء

رغم القمع الميداني.. قضاء مينيسوتا يخذل الضحايا ويمنح "إدارة الهجرة" صك البقاء
مسيرة احتجاجية على سياسة الترحيل في أمريكا

رفضت قاضية المحكمة الجزئية الأمريكية، كيت مينينديز، إصدار أمر قضائي يلزم إدارة ترامب بتقليص حملتها المكثفة لإنفاذ قوانين الهجرة في ولاية مينيسوتا، معتبرة في حكمها الصادر يوم السبت أن الولاية ومدينتي "التوأم" لم يقدما دليلاً قاطعاً على عدم قانونية نشر آلاف العناصر الفيدرالية.

ونقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن الحكم أن القاضية، رغم إقرارها بوجود أدلة على تورط هؤلاء العناصر في أعمال تمييز عنصري واستخدام مفرط للقوة، أكدت أن مهمتها ليست البت في هذه الادعاءات حالياً، بل النظر في مشروعية “عملية مترو سيرج”.

وذكرت القاضية مينينديز أن المحكمة تتردد في الانحياز لأي طرف في نقاش سياسي حساس حول دوافع العمليات الأمنية واسعة النطاق، وهو ما اعتبره مسؤولو الولاية ضوءاً أخضر لاستمرار التجاوزات.

وأكد المدعي العام لولاية مينيسوتا، كيث إليسون، أن هذا الحكم لا يمثل الكلمة الأخيرة في المعركة القانونية، واصفاً القرار بـ "المخيب للآمال" في بيان نقلته "واشنطن بوست".

وشدد إليسون على أن الولاية لن تتراجع عن الدفاع عن صلاحياتها الدستورية، معتبراً أن الطريق القانوني لا يزال في بدايته، وفي سياق متصل، أشادت المدعية العامة الأمريكي، بام بوندي، بقرار القاضية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن "سياسات الملاذ الآمن" لن تمنع الإدارة من تطبيق القانون الفيدرالي، وهي التصريحات التي اعتبرها حقوقيون بمثابة تحدٍ صارخ لسيادة الولايات المحلية.

معاناة السكان من الخوف

أوضح عمدة مينيابوليس، جاكوب فراي، أن قرار المحكمة لا يمحو معاناة السكان من الخوف والاضطراب الناجم عن العملية الفيدرالية التي وصفها بأنها "غزو" لا مكان له في مدينته.

وأشار فراي إلى أن هذه العملية أخلّت بالنظام العام بدلاً من تحقيقه، مؤكداً أن الوجود الفيدرالي الكثيف الذي يفوق قوة شرطة المدينة بخمسة أضعاف أدى إلى عواقب كارثية على حياة الناس اليومية. وتضمنت أوراق القضية اتهامات صريحة بأن العملاء الفيدراليين اقتحموا المدن لتنفيذ مداهمات عسكرية غير دستورية، وهو ما وثقته احتجاجات السكان المتواصلة.

ومن جانبها، كشفت تقارير لصحيفة "الغارديان" أن العملية أسفرت عن مقتل شخصين برصاص عناصر حكومية، ما أشعل فتيل احتجاجات استمرت لأسابيع في مينيابوليس وخارجها.

وذكرت الصحيفة أن مقتل رينيه غود، تلاه مقتل الممرض أليكس بريتي الذي كان يحتج على وجود إدارة الهجرة والجمارك، صعد من حدة الغضب الشعبي ضد عملية "مترو سيرج".

ورغم هذه الدماء، رفضت القاضية كيت مينينديز طلب إنهاء العملية وإعادة 3000 عميل إلى ديارهم، معتبرة أن ادعاءات انتهاك التعديل العاشر للدستور لم تقدم معياراً كافياً للتمييز بين إنفاذ القانون المشروع والاستيلاء غير المشروع على سلطات الولاية.

معركة التعديل العاشر

جزم محامي ولاية مينيسوتا، برايان كارتر، بأن الوضع الراهن غير مسبوق في التاريخ الأمريكي، واصفاً عناصر إدارة الهجرة والجمارك بأنهم "جيش" أُرسل لارتكاب أعمال عنف واسعة النطاق. 

وبحسب ما نشرته "الغارديان"، فإن المحامي أكد أن هؤلاء العناصر يعملون خارج إطار التنسيق المحلي، مما يحول الشوارع إلى ساحات حرب.

وفي المقابل، أصر الرئيس ترامب على أن الإدارة ستعمل على "تخفيف التوتر" عبر إرسال مسؤول الحدود، توم هومان، للإشراف على العملية، لكنه تمسك في الوقت ذاته بقانونية تصرفات العملاء لحماية قوانين الهجرة الفيدرالية، وهو ما اعتبره المدافعون عن الحقوق المدنية تناقضاً صارخاً بين الوعود والواقع الميداني.

كما أفادت شبكة "بي بي إس نيوز" (PBS News) بأن الحكم الصادر يوم السبت ركز بشكل أساسي على "احتمالية نجاح" حجة الولاية في المحكمة، حيث رأت القاضية مينينديز أن سلطتها قد لا تسمح لها بوقف عملية فيدرالية بالكامل.

ونقلت الشبكة عن القاضية قولها إن وقف العملية برمتها قد يتجاوز الحد القضائي، خاصة بعد صدور قرار سابق من محكمة الاستئناف الفحيدرالية للدائرة الثامنة بنقض قيود كانت قد فرضتها القاضية نفسها على استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين.

وأقرت القاضية بأن الحملة لها تأثير "عميق ومؤلم" على السكان، موثقةً وجود أدلة على "التنميط العنصري" الذي يمارسه عملاء إدارة الهجرة وحماية الحدود.

رسالة إلى حاكم مينيسوتا

طالبت المدعية العامة الأمريكية، بام بوندي، في رسالة وجهتها إلى حاكم مينيسوتا، تيم والز، بالاطلاع على سجلات الناخبين والسجلات المتعلقة بالمساعدات الغذائية، وهو ما اعتبره مسؤولو الولاية محاولة لربط إنهاء العملية الأمنية بتقديم تنازلات سياسية.

ووفقاً لما ذكرته "واشنطن بوست"، فإن القاضية مينينديز أبدت شكوكاً تجاه هذه الرسالة، مشيرة إلى أن الأدلة تدعم حجة الولاية بأن العملية تهدف لإجبارها على التعاون القسري، ومع ذلك، خلصت القاضية إلى وجود أسباب "مشروعة" محتملة للانتشار الفيدرالي، مثل مكافحة الاحتيال، مما جعلها تتردد في التدخل بقرارات السلطة التنفيذية.

وأعلنت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، في مؤتمر صحفي عُقد في ميامي، عن امتنانها لقرار المحكمة الذي رأت فيه "انتصاراً للحق"، ونقلت "بي بي إس نيوز" عن نويم تأكيدها أن الوزارة ستسعى للتعاون مع جهات إنفاذ القانون المحلية، رغم أن المدعي العام إليسون نفى التوصل إلى أي اتفاق من هذا القبيل.

وتزامن هذا القرار مع دعوات من منظمات حقوقية، مثل منظمة "50501"، لتنظيم أكثر من 300 مظاهرة في جميع الولايات تحت شعار "إخراج إدارة الهجرة من كل مكان"، رداً على ما وصفوه بسلسلة الوفيات غير القانونية على يد العملاء الفيدراليين.

تداعيات "مترو سيرج"

أكد مسؤولون في ولاية مينيسوتا، وفقاً لملفات المحكمة التي عرضتها "واشنطن بوست"، أن مقتل رينيه غود في 7 يناير دفع المدينة لتفعيل بروتوكولات الطوارئ، مما تسبب في أعباء هائلة على الموارد المحلية، ولم تتوقف الأضرار عند الجانب الأمني، بل امتدت لتعطيل الخدمات الحكومية والرعاية الصحية.

وذكر المسؤولون أن التواجد الفيدرالي المسلح تسبب في إغلاق مدارس وشركات، وهو ما اعتبروه "استنزافاً غير دستوري" لموارد الولاية، حيث يضطر الموظفون المحليون للتعامل مع تداعيات عنف عناصر فيدرالية تفتقر للتدريب الكافي للعمل داخل المناطق الحضرية المكتظة.

وصف المدرس، تاكر جونسون، الوضع في مدرسته الإعدادية بأنه "مريع"، مشيراً في حديثه لـ "بي بي إس نيوز" إلى انخفاض ملحوظ في حضور الطلاب بسبب الخوف من المداهمات.

وقال جونسون إن الطلاب وعائلاتهم يخشون الذهاب إلى المدرسة، معتبراً أن حرمان الأطفال من التعليم هو "خطأ فادح" بغض النظر عن المسوغات القانونية التي ساقتها المحكمة.

واتفقت معه الممرضة، كاري شميت جوست، التي اعتبرت قرار القاضية "وصمة عار"، مؤكدة أن ذلك لن يثني السكان عن مواصلة الاحتجاج ضد ما وصفته بالاحتلال الفيدرالي لمدينتهم.

وعد بتطبيق قوانين الهجرة

ذكرت وزارة العدل الأمريكية في مذكراتها القانونية أن الرئيس ترامب خاض حملته الانتخابية بناءً على وعد بتطبيق قوانين الهجرة بصرامة، وأن مينيسوتا تمثل "أولوية قصوى" في هذا الصدد. 

وبحسب "واشنطن بوست"، فإن الإدارة ترى أن قوانين "الملاذ الآمن" هي العائق الأساسي أمام إبعاد "المهاجرين المجرمين"، وهو ما برر في نظرها نشر 3000 عنصر مسلح، ومع ذلك، تشير تقارير "الغارديان" إلى أن قائمة الضحايا شملت مواطنين أمريكيين مثل أليكس بريتي وممرضين ومحتجين سلميين، مما يدحض رواية "استهداف المجرمين فقط" ويضع العملية في إطار القمع السياسي الشامل.

أشار المدعي العام لولاية مينيسوتا، كيث إليسون، مرة أخرى إلى أن هؤلاء العناصر موجودون لترهيب الولاية وإخضاعها لإرادة الحكومة الفيدرالية، وهو ما يخالف مبدأ "المساواة في السيادة". 

ومع استمرار حالة التوتر، يبقى سكان مينيابوليس وسانت بول في مواجهة مباشرة مع قوة فيدرالية لا تخضع للمساءلة المحلية، في ظل قضاء يرى أن التدخل في توزيع القوات الأمنية قد "يتجاوز دوره المرسوم".

وأفادت منظمة "50501" الشعبية بأن احتجاجات السبت هي رد فعل مباشر على مقتل جيرالدو كامبوس في تكساس وكيث بورتر جونيور في لوس أنجلوس، بالإضافة لضحايا مينيسوتا.

ترسم هذه الحوادث ترسم نمطاً من العنف الفيدرالي غير المنضبط الذي تغذيه تصريحات القادة الفيدراليين، مثل قائد دوريات الحدود، غريغوري بوفينو، الذي اتهم الضحايا بمحاولة ارتكاب "مذابح" ضد رجال القانون قبل أن يتم نقله من منصبه إثر الغضب الشعبي.

ويظل الحكم الأخير للقاضية مينينديز، رغم كونه قانونياً، بمثابة جرح غائر في جسد الحقوق المدنية والسيادة المحلية التي تحاول مينيسوتا استعادتها عبر أروقة المحاكم الموصدة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية